محمد بن جعفر الكتاني
27
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
والأشعار في التوسل به والاستشفاء بجنابه كثيرة ، وقد جرت العادة بجعل محبس كبير عنده يكون معمورا بالماء ، يدهن به المرضى وذوو العاهات ، ويشربون منه تبركا واستشفاء . ورأيت فيما يتعلق بذلك كلاما لبعضهم في كناش له نصه : « الحمد للّه ؛ ذكر بعضهم أنه : ذهب ذات يوم لزيارة الولي الصالح سيدي أبي غالب الصاريوي - نفعنا اللّه به - وإذا بالشيخ العالم العلامة سيدي محمد التاودي ابن سودة المري - رحمه اللّه - هناك ، ومعه الفقيه المؤدب برحبة ابن رزوق من عدوة فاس الأندلس سيدي محمد بن حسين ، والمرابط سيدي عبد اللّه الدرعاوي ، والمحب سيدي الحاج عبد السلام ابن الحاج . . . فلما أراد الشيخ التاودي الانصراف ؛ أتى إلى المحبس الذي هناك ، وشرب منه جرعة ماء . فقال له الفقيه سيدي محمد بن حسين : يا سيدي ؛ أنت بك يقتدى وبك يهتدى وتشرب من هذا المحبس الذي هو محل الأقذار والكادورات ؟ ! . فقال الشيخ سيدي التاودي للسيد عبد اللّه الدرعاوي : أجبه . فقال له السيد عبد اللّه : قال تعالى : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ . [ النحل : 8 ] . وهذا مما لا تعلم ! . فقال الشيخ التاودي : زده واحدة أخرى ؛ وهي : أني وقفت في باب الكشف للشيخ العارف باللّه سيدي عبد الرحمن الفاسي - رحمه اللّه - أنه كل يوم يأتي سبعون ألف ولي إلى هذا المحبس ، ويضعون فيه أيديهم بقصد التبرك ، ونحن نحب أن نصادف شيئا من بركة تلك الأيدي المباركة ، حشرنا اللّه تعالى في زمرتهم ، وجعلنا من المحبين في هذا الجانب . . آمين » . ه . ومما أحدث بهذه الروضة خارجها : سقاية ماء بناها أحد قواد فاس ؛ وهو : القائد بوجيدة المجدولي . ولم تكن قبل ، وأجرى لها الماء الذي كان يجري إلى السقاية التي كانت بخارج روضة سيدي محمد بن عباد ، وذلك سنة خمس وأربعين ومائة وألف . وفي ذلك يقول الشريف العلامة الصوفي أبو محمد سيدي عبد المجيد المنالي : سقاية الشيخ أبي غالب * شافية للضرر الغالب أعدّها الشيخ نوالا لمن * قد أمه من قاصد طالب فهي شراب البرء من كل دا * وكم تروّي ظمأ الشارب أخفى بها السر لمن سأله * من كل مستحق ومن شارب نالت من الحكام تجديدها * بشقهم فالحمد للواهب [ 23 ] وأشار بالشين والقاف والهاء والميم من قوله : بشقهم . لتاريخ بنائها ؛ وهو العام المذكور . ثم لما جدد بناء هذا الضريح السلطان مولانا سليمان بن محمد العلوي وجعل فيه مسجدا للصلاة فيه ، وبيوتا للمرضى وذوي العاهات الذين يأتون إليه ؛ عمل فيه سقاية أخرى بظهره ، وهي التي بالطريق تقابل روضة سيدي عمر الشريف ، وذلك على يد قائد فاس الحاج محمد الصفار رحمه اللّه .